محمد جمال الدين القاسمي

35

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وعده من الثواب والعقاب فهو حق ، وهو القادر على الإحياء والإماتة ، لا يقدر عليهما غيره ، وإلى حسابه وجزائه المرجع ، ليعلم أن الأمر كذلك ، فيخاف ويرجى ، ولا يغتر به المغترون - كذا في الكشاف . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 57 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي تزكية نفوسكم بالوعد والوعيد ، والإنذار والبشارة ، والزجر عن الذنوب المورطة في العقاب ، والتحريض على الأعمال الموجبة للثواب ، لتعلموا على الخوف والرجاء وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ أي القلوب من أمراضها ، كالشك والنفاق ، والغل والغش ، وأمثال ذلك ، بتعليم الحقائق ، والحكم الموجبة لليقين ، وتصفيتها بقبول المعارف ، والتنوّر بنور التوحيد وَهُدىً أي لنفوسكم من الضلالة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أي لمن آمن به بالنجاة من العذاب والارتقاء إلى درجات النعيم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 58 ] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ يعني القرآن الذي أكرموا به وَبِرَحْمَتِهِ يعني الإسلام فَبِذلِكَ أي فبمجيئهما فَلْيَفْرَحُوا أي لا بالأمور الفانية القليلة المقدار ، الدنيئة القدر والوقع ، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي من الأموال وأسباب الشهوات ، إذ لا ينتفع بجميعها ولا يدوم ، ويفوت به اللذات الباقية ، بحيث يحال بينهم وبين ما يشتهون . والفاء داخلة في جواب شرط مقدر ، كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فبهما فليفرحوا . أو هي رابطة لما بعدها بما قبلها ، لدلالتها على تسبب ما بعدها عما قبلها . والفاء الثانية زائدة لتأكيد الأولى ، أو الزائدة الأولى ، لأن جواب الشرط في الحقيقة فَلْيَفْرَحُوا و ( بذلك ) مقدم من تأخير ، وزيدت فيه الفاء للتحسين . وكذلك جوز أن يكون بدلا من قوله : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ . ثم بين تعالى أن من فضله على الناس تبيين الحرام من الحلال على ألسنة